علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
60
الصداقة والصديق
بالتكلف والملق « 1 » ، ولقد وقفني مرة على ضربة تأتّت له عليّ كان فيها البوار ، كفّ « 2 » عنها ، وأخذ بالحسنى ، فأريته أختها ، وكانت خافية عنده ، فقال : لولا علمي بأنك تسبق إلى مثل هذه ما قابلتك بتلك ، فقلت : هو واللّه ذاك ، وو اللّه لقد ضرّني ناس كانوا ينتحلون مودّتي ، ويتبارون في صداقتي ، لضعف نحائزهم « 3 » ، ولؤم غرائزهم ، ولقد ثبت لي هو في عداوته على عقل وتذمم أفضيا بهما إلى سلامة الدين ، والنفس ، والحال . وورد « 4 » معز الدولة هذا المصر ، فسأله عني سرّا ، فأثنى خيرا وقال : ما قطن مصرنا غريب أعظم بركة منه ، وإنه لجمالنا عند المباهاة ، ومفزعنا عند الخلاف . [ ولقد ] سألني معز الدولة عنه سرّا ، فأثنيت خيرا وقلت : أيها الأمير ! واللّه ما نشأت فتنة في هذا المصر إلّا وهو كان سبب زوالها ، وإطفاء ثائرتها ، وإعادة الحال إلى غضارتها ونضارتها . فقال معزّ الدولة لأبي مخلد سرّا ، كيف الحال بينهما ، يعنينا ، فقال : بينهما نبوّ لا ينادى وليده ، وتعاد لا يلين أبدا شديده . فقال : لئن كان كما تقول فإنهما ركنا « 5 » هذا البلد ، وعدّتا هذا السّواد ، اجعلهما عينيّ أبصر بهما أحوال الناس في هذا المكان ، وأعوّل عليهما في ما يريان ويشيران ، فخلا بي أبو مخلد وبصاحبي ، وتقدم إلينا عن صاحبه بما زادنا بصيرة وتألفا إلى هذه الغاية ، ثم قال أبو حامد : واللّه إنّ عداوة العاقل لألذّ وأحلى من صداقة الجاهل ، لأن الصديق الجاهل يتحاماك « 6 » بعداوته ، ويهدي إليك فضل عقله
--> ( 1 ) في م - المذاق وهو تحريف . ( 2 ) ج ق - فكفّ . ( 3 ) ج ق - نحائزهم . نحائز : مفردها نحيزة وهي الطبيعة . ( 4 ) ج ق - ولقد ورد . ( 5 ) ج ق - كننا . ( 6 ) ج ق - يتحامل ج ق - وأربه .